نداء البطريرك الراعي ..الحياد بنسخته اللبنانية.. فرصتنا الأخيرة ( 1 ) / بقلم المحامي حسن شمس الدين

نداء البطريرك الراعي ..

الحياد بنسخته اللبنانية.. 

فرصتنا الأخيرة 

 

( 1 ) : الكيان والتهديدات غير المسبوقة

 

بقلم : المحامي حسن شمس الدين  

مما لا شك فيه أن منطق الحياد الذي بادر لإطلاقه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي ما كان ليكون مدويًا وملحًا اليوم لولا التداعيات الخانقة على لبنان والناتجة عن تدخلات حزب الله في نزاعات المنطقة من سوريا إلى العراق واليمن، مما يعرضه أكثر مما يحميه ، فضلاً عن أن توصيف معظم أصدقاء لبنان " حزب الله " بالإرهابي يضع الدولة في مواجهة العالم ،  بالإضافة إلى عوامل داخلية أخرى، من الأزمة الاقتصادية التي تعصف بلبنان اليوم حتى أصبح انسحابه من هذه الحروب أحد الشروط الأساسية لجلب المساعدات الدولية والعربية، على أن تكون الدولة هي المحدد الوحيد لتوجهات لبنان السياسية والاقتصادية في المنطقة والعالم.

المحاولة الأخيرة التي سبقت ذلك، كان قرار النأي بالنفس و"تحييد لبنان" عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية والدولية "الذي نصّ عليه إعلان بعبدا عام 2012" بإجماع كل الأطراف اللبنانية آنذاك "دفن قبل صياح الديك " ، كما البيانات التأكيدية خلال فترة الحرب السورية، يوم حمل حزب الله نفسه للقتال خارج لبنان دفاعًا عن مشروعه الإقليمي في المنطقة، وليبدأ بذلك أوسع موجة خروقات لمبدأ النأي بالنفس في التاريخ اللبناني الحديث مقرونة بأوسع عملية تجاهل للمصلحة اللبنانية والتداعيات الكارثية لهذه "الموجة" على الشعب اللبناني وعلى مصيره، وليدخل الدولة اللبنانية والكيان اللبناني في تحديات وجودية، وحول قدرته على الإفلات من تحديات غير مسبوقة للبقاء والاستمرار.

 

الحياد .. في الميثاق !

الحياد اللبناني راسخ في الميثاق الوطني من خلال مبدأ عدم الانحياز تجاه أي مسألة دولية وجوهره الالتزام بلاءات ثلاث /لا انجرار-لا استحضار-لا استقواء/.

مع تفضيل القواسم المشتركة على الحواجز المتقابلة سعيًا دائمًا لفك الارتباط السياسي بالخارج، لتبدأ مسيرة الانتماء إلى الدولة اللبنانية وليكون لبنان بحق صاحب رسالة ويلعب دوره في العالم من دون خوف على وحدة داخلية أو شراكة وطنية.

إن الارتباط اللصيق بين الميثاق والحياد يجعل الخلل في تطبيق الواحد كأنه خلل في تطبيق الآخر بحيث أصبحت النتيجة معروفة، فاعتماد الحياد تحول إلى إشكالية أو معضلة حول ماهية لبنان وكيفية إدارة الشراكة الوطنية وصولاً إلى طرح الفائدة من الوحدة الوطنية ومستقبل الكيان.

إن انعقاد لواء قيادة الطوائف الواحدة تلو الأخرى على قوة طاغية أو راجحة إن لجهة الخطاب أو المفردات أو المزاج جعلت كل مرونة وإصلاح شديدي الصعوبة والتعقيد ولاصطدامهما باصطفافات صماء يدعم كل طرف منها طرف خارجي مما أوصل الكيان اليوم ليكون بحق عرضة لتهديدات وجودية لم يسبق ان عاش مثلها منذ قيامه تحت مسمى لبنان الكبير منذ قرن بالتمام والكمال وكل ذلك في مرحلة تتبدل فيها الخرائط الديمغرافية في المشرق بأسره نتيجة الحروب الداخلية وعنف الأنظمة الضاري وتفكك النسائج الاجتماعية ونتيجة التدخلات الخارجية والاحتلال الإسرائيلي مع انجراف في الغرائز البدائية المعززة بعوارض الخوف والحذر والإبداع في الأسوأ..

 

بين الأكذوبة .. والحقيقة الناصعة!

إن الأسباب الأساسية للخلاف على الحياد على حدّ قول أحدهم "هو كون اللبنانيين الأقحاح هم في أكثريتهم قلّة ولا يعوّل عليهم"، كما النزوع الطائفي والانقسامات المزمنة على مر العقود واعتبار البعض بأن حياد لبنان أكذوبة مقابل البعض النقيض الذي يقول بأن اللبنانيين هم الحقيقة الناصعة.

الحياد بطبيعته خيار طوعي ينشد الاتحاد والتماسك نقيضًا لكل مسارب الانقسام والتشرذم ولا يحتمل بهلوانيات التذاكي والاكثار من الالتفافات والاشتراطات.

تحت عنوان "الحياد الدائم المضمون دوليًا" أورد الدكتور أدمون رباط في الجزء الأول (الدول في الماضي والحاضر) من كتابه "الوسيط في القانون الدستوري العام" التالي:

 وفي مؤتمر باريس الثاني المنعقد بعد معركة "واترلو" (waterloo) أقرّت الدول الكبرى، في 20 تشرين الثاني سنة 1815، حياد سويسرا الدائم، ووضعت بموجب "الميثاق الاتحادي" (pacte federal) المؤرخ في 7 آب سنة 1815، نظامها الدستوري.

ولقد لعب الحياد في تاريخ سويسرا، دورًا رئيسيًا في تطوير مؤسساتها الدستورية وذهنيتها السياسية، ومن المعلوم أن سويسرا لم تتوصل إلى هذا الحياد، ولم تقتنع بضرورته، إلا نتيجة حروب مع الدول المجاورة من جهة، وحروب دينية في داخلها من جهة ثانية، فكانت حروب متواصلة، وفي بعض العهود ضارية، لغاية الثورة الفرنسية والفتوحات النابوليونية-إلى أن اتخذ مؤتمر فيينا، بناءً لطلب المقاطعات السويسرية ذاتها، قرارًا بإعلان حياد سويسرا الدائم، مع ضمان هذا الحياد، وذلك "بتصريح فيينا" الصادر في 20 آذار سنة 1815، وفي معاهدة باريس الثانية المعقودة في 20 تشرين الثاني سنة 1815، ومنذ هذا التاريخ قد مرّ حياد سويسرا بأطوار مختلفة، وأصبح في الوقت الحاضر، مثالاً للحياد المألوف في القانون الدولي العام-احدث دراسة عن هذا الحياد، من وجهتيه التاريخية والقانونية:

Bernard Dutoit, La Neutralite Suisse a lheure europeenne paris, 1962.

إن الحياد هو الحياد … هو فعل قناعة واختيار واجماع وفي نسخته اللبنانية يجب أن يكون خيارًا توافقيًا خارج مشهدية الاصطفافات العامودية المعهودة، وبعيدًا عن تربصات الفرض والتناحر والصراع… خيارًا ينبثق من قناعات راسخة وعميقة يتحلّق حولها الجميع في "لحظة تاريخية" بذاتها بألا يتورط لبنان ويتدحرج في حروب ومحاور إقليمية بما يتجاوز أو يتناقض مع مصالح اللبنانيين وإرادتهم واقتناعاتهم.

الحياد المنشود ولحظة تحقق الظروف لن يكون إلاّ بنسخته اللبنانية ووفق الظروف الخاصة بالمكان والمحيط وعند نضوج الوعي والقناعات والتقاطعات وتحديد الافتراقات وسينتظر كثيرًا من يغريهم التقيد بحرفية النموذج السويسري وآلياته دون التمسك بجوهر الفكرة والاستعداد للبحث عميقًا في ظروفنا وماهيتنا وحقيقة واقعنا وحدود قدراتنا المشتركة ونضوج وعينا ووعي محيطنا.

الحياد المنشود وليكون متماهيًا مع هويتنا وشخصيتنا اللبنانية لن يتناقض مع الموقف من الصراع العربي-الإسرائيلي باعتباره مسألة مبدئية ذات ابعاد أخلاقية وقومية وسياسية والذي يتلخص بالموقف من القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في دولة على أراضيه، ومن النزاع الحدودي بين اسرائيل ولبنان كما من قضية السلام العادل والشامل ومن التزامه المبادرة العربية للسلام في قمة بيروت عام 2002 وكل القرارات الدولية ذات الصلة ولا سيما حل الدولتين، كما إن الحياد المنشود لن يعاكس الاجماع حول ملفي اللجوء والنزوح….

في كل هذه الأمور كان الموقف اللبناني موحدًا على الدوام في الداخل وداعمًا للإجماع العربي في الخارج وشكل الإطار السياسي لإدارة الصراع مع إسرائيل وركيزة وطنية لتحقيق المصلحة اللبنانية. ( ولعله من المفيد التذكير في هذا السياق بأن الاجماع اللبناني حول المقاومة كان متوفراً كما والافتراق عن حزب المقاومة بكل خياراته الأخرى بدءاً من استخدام القوة بالمعادلة الداخلية مروراً بالتدخل في الدول الأخرى وصولا للتبعية الاقليمية وتقديم مصلحة المشروع على مصلحة الوطن ).

 

النأي بالنفس.. مقابل الإستتباع ! 

ما نستعرضه من ثوابت يأتي في سياق تأكيد المؤكد ولو اقتضى الأمر اعتمادها ملحقاً لتحصين النصّ الأساس لميثاقنا الوطني الذي قام قبل إنشاء الكيان الصهيوني وبما يعمق الفهم لمبدأ عدم الانحياز الذي لا يتعارض مع حق الدول الطبيعي في الدفاع عن أرضها وشعبها.

الحياد المنشود بصيغته اللبنانية يرتكز والحالة هذه من بدايته الى نهايته في خيار الدولة القادرة والسيدة التي تحتكر السلاح وقرار السلم والحرب ولا تقبل بوجود منظومات عابرة لحدود الوطن وممولة مالاً وسلاحًا من الخارج وتنفذ أجندات الخارج ولا تقوم بتسهيل أغراض العدو باستغلال الاستباحات وتفقيس الذرائع.

ما أجهض محاولات النأي بالنفس والتحييد هو الاقحام الجبري للبنان واستتباعه في محور إقليمي بذاته بحيث أضحى تعطيله (أي الإقحام) عملية معقدة وصعبة، وأصعب ما فيها أنها تفوق قدرة الداخل اللبناني لأن يقوم بها وحده.

أمام كل هذه الانغلاقات المصيرية والكارثية والمخاطر الوجودية الكبرى، علينا أن نبدأ في الممر الإلزامي والدائم وهو الشروع في نقاش داخلي معمق حول مفهوم مصلحة لبنان في عدم التحصن بمحور ضد آخر، وحول الفرص والأخطار التي تدور في فلك هذا المفهوم خارجيًا وداخليًا.

إن السعي إلى استبدال أطر التعاون الثنائي بأطر تعاون متعددة الأطراف، بعيدًا عن منطق الأحلاف والتحالفات له ممره الإلزامي أيضًا من خلال الحوار الجدي مع الدول الإقليمية الأساسية وبما يحقق مصلحة الجميع في إبقاء القيمة الأساسية للبنان ويسمح بلقاء الجميع من خارج موازين القوى.

 

من "الثلاثية" .. الى دينامية الدولة!   

الحكمة الراسخة تدفعنا للتسليم بتقدم شرط " الإجماع " الداخلي للخوض بأيّ من الممرات الالزامية الماثلة أمامنا ..ولقد كان الأحرى وبالدرجة الأولى بمن استند اليوم (ومن ضمنهم وللأسف أطراف سيادية تم اصطيادها بهوس المراكز والنفوذ) إلى موجب "الإجماع" منصة لإجهاض البحث في دعوات "الحياد" أن يأخذ بمدى توفر الاجماع الوطني حيال الخيارات الأحادية التي سخرت "لبنان" لخدمة خيارات الآخرين وبما يتناقض مع مصالح الوطن ويورط اللبنانيين في عداوات مع الدول العربية ومع المجتمع الدولي ويعرضهم لحصار قاتل مدعوم يتسابق به الأشقاء على إدارة الظهر والتخلي.

من هنا فإن حماية لبنان هي في :

– سياسة دفاعية عمادها الجيش.

– سياسة خارجية عمادها القانون الدولي والشرعية الدولية. 

– سياسة داخلية وفق مفهوم الأمن الشامل الإنساني والاجتماعي والاقتصادي والنقدي والبيئي والغذائي.

ان حماية لبنان على قاعدة الحياد الإيجابي تستوجب مغادرة معادلة "جيش شعب مقاومة"، وهي المعادلة المفروضة بسطوة الأمر الواقع والمرفوضة من شريحة واسعة من اللبنانيين ومن المجتمع الدولي ، وهي المعادلة التي تعرض لبنان بدل حمايته وتضعه في مواجهة مع العالم، المعادلة التي وبعدما آلت إليه الأوضاع من تداعيات (افلاس الدولة-قيام الثورة-انفجار المرفأ-سقوط النموذج البديل عن الدولة…) غدت المعادلة المفروضة كنوع من فائض القوة الممنوع من الصرف!ّ.

يعلمنا التاريخ بأن دينامية الدولة أقوى من دينامية مكوناتها وشرعية القانون أقوى من مشروعية الثورة والمقاومة ، وإذا لم يتم الانتقال المدني والسياسي من منطق إلى آخر، ومن تنظيم إلى نظام ، فإن الانهيار والافلاس والفشل محتم وعلى الجميع.

 

الحياد بمفهومه " الرسولي" !

هناك محاولات لإظهار تضارب في المعلومات حول موقف الفاتيكان من مناداة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي بـ"الحياد" :

– البعض يقول أن مشروع حياد لبنان ليس جديدًا وأن الفكرة موجودة من أيام البطريرك الماروني أنطوان عريضة، عندما جمع القادة اللبنانيين من كل الطوائف في بكركي يوم 25 كانون الأول 1941 حول فكرة نيل الاستقلال، ولتشتعل يومها حماسة مطران بيروت للموارنة أغناطيوس مبارك في عظاته تبني مطلب استقلال لبنان ، وكانت فكرة حياد لبنان حينذاك، ووضعت لاحقًا في الميثاق الوطني وفق العبارة الشهيرة بـ "الصيغة" ولينبثق لاحقًا شعار "لا شرق ولا غرب" (بشارة الخوري-رياض الصلح) وعبر عنها بـ "لا للشرق ولا للغرب" وان "لبنان ذو وجه عربي"، وليرفع لاحقًا اللواء فؤاد شهاب (بعد تولي سدة الرئاسة) شعاره عن رفض الأحلاف إن كانت عربية أو غربية.

– وليخلص هذا البعض الى أن تلك المبادرة اطلقها الفاتيكان بعد تفكير عميق في جوهر الأزمة الحالية التي يشهدها لبنان بانتظار الانفراج السياسي عن طريق اخلاء الساحة اللبنانية من تأثير المحاور الإقليمية ، بعد أن سبق ذلك محادثات أجريت مع عدد من كبار المسؤولين الدوليين والدبلوماسيين ومنهم السفير الإيراني المعتمد لدى الفاتيكان طه هاشمي ، مع ترجيح أن الاتصالات تمحورت حول توحيد الجهود مع الفاتيكان للوقوف مع لبنان ، وبحيث شكلت اجتماعات الفاتيكان الرافعة الأساسية لمبادرة غبطة البطريرك الراعي حول الحياد السيادي مع حديث أمين عام الأمم المتحدة حول الأوضاع الخطيرة في لبنان ونقاشات مجلس الأمن حول اعادة النظر في دور قوات الطوارىء الدولية لتشمل كامل الحدود البرية والبحرية والمرافىء والمطار ، وحول اعلان الحكومة اللبنانية "تحييد لبنان عن الصراع الإقليمي وعن وضعه في مواجهة مع الآخرين" بالتلازم مع تكثيف الاتصالات لإنتاج توافق دولي ما برعاية الكرسي الرسولي على مساعدة لبنان مقابل تمسك وإصرار الحكومة اللبنانية بمقولة أن الأزمة اقتصادية بحتة.

 

في حين يتساءل البعض الآخر أيضاً ويشكك بإمكانية أن يجد البطريرك الماروني آذانًا صاغية في الفاتيكان ويفترضون أننا أمام لحظة لبنانية مختلفة ، الثابت الوحيد فيها هو الخطر الإسرائيلي في المنطقة ، وبعد أن أصبحت سوريا ومنذ حوالي العقدين في موقع دفاعي واستنادًا الى ما كان يردده الكرسي الرسولي وموفدا الفاتيكان الى لبنان منذ العام 2000 لجهة دعوة اللبنانيين لأن يعيدوا صياغة علاقاتهم الداخلية من خلال عقد اجتماعي جديد ، قبل الالتفات الى ما يجري في الجوار (بعد ان فوّت اللبنانيون لحظتي انسحاب إسرائيل في العام 2000 وسوريا في العام 2005) ويفترضون ايضاً حرج البطريرك الراعي في حال سؤاله عن إمكانية الحياد لدى المسيحيين في الوقت الذي يندفع للمناداة "بالحياد الدولي" وكيف لهم ان ينتقلوا ( أي المسيحيين ) برافعتهم من مشروع الى نقيضه، مذكرين بجوهر الارشاد الرسولي لجهة طلب اندماج لبنان كجزء لا يتجزأ من العالم العربي ، والطلب من الكنيسة في لبنان الانفتاح لا التقوقع ، والاستفاضة بالشرح حول الفوارق بين عبارتي "الاندماج" و"الانضواء"، وأنه في حال التسليم جدلاً بأن الدول المحيطة وافقت على حياد لبنان، فإن السؤال الكبير لديهم يبقى "هل أن كل اللبنانيين اجمعوا اليوم على حياد لبنان؟" .. وليجزموا بالنفي ، الأمر الذي يعتقدون أنه لم يحصل لا في الماضي ولا في الحاضر! .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *